الغزالي
40
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
نكتة : رأى عيسى عليه السلام الدّنيا في بعض مكاشفاته وهي على صورة عجوز هرمة فقال لها : كم كان لك من زوج ؟ فقالت : لا يحصون كثرة ، فقال عيسى : ماتوا عنك أم طلقوك ؟ فقالت : بل أنا قتلتهم وأفنيتهم ، فقال : يا عجبا منك ومن دواهيك ! هذا صنعك بأهلك وهم فيك راغبون ، وعليك يقتتلون ، وبمن مضى لا يعتبرون . 3 - المثال الثالث : من ذلك : ومن سحرها أنها تزيّن ظاهرها بمحاسنها ، وتخفي محنتها وقواتلها في باطنها ، لتغرّ الجاهل بما يرى من ظاهرها . ومثلها كمثل عجوز قبيحة المنظر تخفي وجهها وتلبس حسن الثياب وتتزيّن وتتجمّل لتفتن الخلق من بعد ، فإذا كشفوا عنها غطاءها وخمارها ، وألقوا عنها إزارها ، ندموا على محبتها لما شاهدوه من فضائحها ، وعاينوه من قبائحها . وقد جاء في الخبر : أن الدّنيا يؤتى بها يوم القيامة في صورة عجوز قبيحة مشوّهة زرقاء العين وحشة الوجه قد كشّرت عن أنيابها ، فإذا رآها الخلائق قالوا نعوذ باللّه من هذه القبيحة المشوّهة ، فيقال لهم : هذه الدّنيا التي كنتم عليها تتحاسدون ، ولأجلها كنتم تتحاقدون وتسفكون الدماء بغير حق ، وتقطعون أرحامكم ، وتغترّون بزخرفها ؛ ثم يؤمر بها إلى النار فتقول : إلهي أين أحبابي ؟ فيؤمر بهم فيلقون في نار جهنم . 4 - المثال الرابع : من ذلك : أن الإنسان يحسب كم كان في الأزل قبل أن يوجد في الدّنيا ، وكم يكون مدة عدمه بالموت ، وكم قدر هذه المدّة التي بين الأبد والأزل وهي مدة حياته في الدّنيا ، فيعلم أن مثال الدّنيا كطريق المسافر أوله المهد ، وآخره اللحد ، وفيما بينهما منازل معدودة ، وأن كل سنة كمنزل ، وكل شهر كفرسخ ، وكل يوم كميل ، وكل نفس كخطوة ، وهو يسير دائما فيبقى لواحد من طريقه فرسخ ولآخر أكثر ، وهو قاعد ذاهل ، وساكن غافل ، كأنه مقيم لا يبرح وقد اشتغل بتدبير أعمال لا يحتاج إليها بعد عشر سنين ، وربّما يحصل بعد عشرة أيام تحت التراب . 5 - المثال الخامس : من ذلك : اعلم أن مثل الدّنيا وما تتحف أهلها فيها بشهواتهم ولذّاتهم من الأمور الفضائح التي يشاهدونها في الآخرة ، كمثل إنسان أكل فوق حاجته من طعام